في نوفمبر 2026، ستقول مهندسة في مختبر الدفع النفاث بكاليفورنيا: “صباح الخير يا فويجر 1”.
ثم تنتظر.
لن يصلها الرد بعد دقائق، ولا حتى بعد ساعات، بل سيصلها بعد يومين كاملين.
فويجر 1، التي انطلقت من الأرض عام 1977، توشك أن تصبح أول جسمٍ صنعته يد الإنسان يبتعد عنا مسافة يومٍ ضوئي كامل؛ أكثر من 25.9 مليار كيلومتر، مسافة يحتاج فيها الضوء نفسه – أسرع شيءٍ في الكون – إلى 24 ساعة كاملة ليقطعها.
لكن هناك مفارقة في هذا الإنجاز. فبينما تتجه فويجر 1 نحو رقمٍ لم يبلغه أحدٌ قبلها، فإن جسدها يذبل ببطء. طاقتها تتسرب واطًا بعد واطٍ كل عام، وأجهزتها العلمية تُطفأ واحدًا تلو الآخر. إنها تقترب من أبعد نقطة في تاريخها، في اللحظة ذاتها التي تقترب فيها من صمتها الأخير.
البداية
انطلقت فويجر 1 من كيب كانافيرال في ولاية فلوريدا الأمريكية، في الخامس من سبتمبر 1977، برفقة شقيقتها التوأم “فويجر 2”. كانت مهمتهما في الأصل محدودة وواضحة: زيارة المشتري وزحل. التقطت المركبة صورًا لم يرها بشريٌ من قبل؛ حلقات زحل، أقمار المشتري، وعواصف غازية بحجم كواكب. ثم انتهت المهمة الرسمية، لكن فويجر 1 لم تتوقف، بل واصلت الابتعاد بمسار مختلف وبسرعة أكبر، بلا وجهة محددة، فقط استمرارٌ في خطٍ مستقيم نحو الفراغ.
الخروج من البيت
في عام 2012، عبرت فويجر 1 حافة الغلاف الشمسي — تلك الفقاعة الهائلة من الجسيمات المشحونة التي تنفثها الشمس وتحيط بالنظام الشمسي كله — وخرجت إلى الفضاء بين النجمي، لتصبح أول آلة بشرية تفعل ذلك، وتلحق بها فويجر 2 بعد سنوات. لكن هذا لا يعني أنها غادرت “النظام الشمسي” بالمعنى الكامل، فتأثير جاذبية الشمس يمتد أبعد من ذلك بكثير، حيث توجد سحابة أورت، خزان المذنبات الذي يحيط بنا من كل الجهات، والذي لن تصل إليه فويجر 1 قبل آلاف السنين. إنها في الفضاء بين النجمي، لكنها لم تغادر بيت الشمس بعد.
اللحظة القادمة
في منتصف نوفمبر 2026، سيعبر المسبار فويجر 1 خطًا لم يعبره أي جسمٍ من صنع الإنسان من قبل، وهو مسافة يومٍ ضوئي كامل يعادل حوالي 25.9 مليار كيلومتر أو ما يقارب 170 وحدة فلكية (أي 170 ضعف المسافة بين الأرض والشمس). وعلى الرغم من أن هذا الخط ليس حدًا فيزيائيًا حقيقيًا أو جدارًا مرئيًا بل مجرد مقياس زمني يستغرقه الضوء لقطع تلك المسافة، إلا أن أثره على العمل اليومي لفريق المهمة حقيقيٌ تمامًا وملموس؛ وهو ما اختصرته سوزي دود، مديرة مشروع فويجر في مختبر الدفع النفاث، بجملة بسيطة تلخص هذا البعد السحيق: “لو أرسلت أمرًا وقلت ‘صباح الخير يا فويجر 1’ الساعة الثامنة صباح الاثنين، سيصلني ردها الساعة الثامنة صباح الأربعاء”، لتصبح كل استجابة للتعليمات تتطلب يومين كاملين من الانتظار بين الإرسال والاستقبال. وبين كل سؤال وجوابه، تقطع فويجر 1 مسافة مليون ونصف كيلومتر إضافية، فحين يصل الرد أخيرًا، تكون قد ابتعدت أكثر مما كانت عليه لحظة السؤال.
معجزات برمجية في جسد يذبل
المسبار فويجر 1 لا يعمل بالطاقة الشمسية لكون الشمس باتت بعيدة جدًا لتكون مصدرًا مجديًا، بل يعتمد على مولدات نظائر مشعة حرارية كهربائية تحول حرارة تحلل البلوتونيوم-238 إلى كهرباء. وتلك المولدات التي أنتجت عند الإطلاق نحو 470 واطًا لم تعد تنتج اليوم سوى قرابة 250 واطًا، وتفقد ببطء لا رجعة فيه حوالي 4 واطات كل عام.
أجبر هذا التضاؤل فريق الأرض منذ التسعينيات على اتخاذ قرارات صعبة ومقايضات حاسمة بين جمع البيانات العلمية وإطالة أمد البقاء من خلال تحديد أي الأجهزة يُطفأ وأي السخانات يُغلق، حتى لم يبقَ يعمل من أصل 11 جهازًا علميًا سوى جهازين اثنين فقط هما المغناطيسومتر وجهاز الموجات البلازمية اللذان يتحدثان مع الأرض بعد إطفاء جهاز الأشعة الكونية في فبراير 2025 وجهاز الجسيمات المشحونة منخفضة الطاقة في أبريل 2026.
ولا تقتصر الصعوبة على إدارة الطاقة فقط، بل على إدارة “عقل” المركبة نفسه؛ إذ تعمل فويجر 1 برموز مكتوبة بلغة “أسمبلي” (Assembly) القديمة جدًا يعود تصميمها للستينيات والسبعينيات. وإبقاؤها على قيد الحياة يتطلب من المهندسين الجدد الغوص في وثائق ورقية صفراء تركها المبرمجون الأوائل. وقبل فترة وجيزة، حين أصاب عطل كاد يكون قاتلًا إحدى رقاقات الذاكرة وتوقفت المركبة عن إرسال بيانات مفهومة، نجح الفريق في إعادة كتابة الشفرة وتفكيكها ونقلها إلى أجزاء سليمة أخرى في ذاكرة المركبة عبر المليارات من الكيلومترات، في واحدة من أعجب جراحات البرمجة عن بُعد في تاريخ البشرية.
لماذا نستمر في الاستماع؟
قد يبدو غريبًا أن تُبقي وكالة فضاء مركبةً عمرها نصف قرن قيد التشغيل، لكن فويجر 1 وفرت بيانات غيرت مفهومنا عن الكون بين النجمي. فللمرة الأولى، سمعت البشرية “طنين البلازما” المستمر، وهو أزيزٌ خفيف ورنين ينبعث من غازات الفضاء البعيد، واكتشفت أن كثافة المادة تزداد كلما ابتعدنا عن حماية الشمس، وأن المجالات المغناطيسية هناك تصطف بطرق لم تتوقعها النماذج النظرية. كل إشارة تصل منها -مهما بلغت درجة ضعفها- هي معلومةٌ لا يمكن الحصول عليها من أي مكان آخر، كأنها العين والأذن الوحيدة المفتوحة للإنسانية على ذلك الخلاء السحيق.
الرسالة التي لا تزال تسافر
تحمل فويجر 1 (وشقيقتها فويجر 2) على متنها قرصًا ذهبيًا صُمم ليكون رسالة للبشرية عبر الزمن؛ إذ يضم أصواتًا من الأرض تشمل الموسيقى وتحياتٍ بلغاتٍ متعددة وأصواتًا من الطبيعة كالرياح والرعد والحيوانات، ليعرّف أي كائن ذكي قد يعثر عليه يومًا بمن نكون وكيف كانت الحياة على كوكبنا حين انطلقت المركبة. وعلى الرغم من أن هذا القرص لن يصل إلى مجاورة أي نجم قريب قبل عشرات الآلاف من السنين، وتكون فويجر 1 قد صمتت تمامًا وانقطعت إشاراتها قبل ذلك بوقت طويل، إلا أنها ستظل تطوف في أعماق الفضاء حاملةً تلك الرسالة الحية، حتى بعد أن تتوقف عن الحديث معنا للأبد.
النهاية القادمة
يقدّر فريق مختبر الدفع النفاث أن فويجر 1 ستستمر في العمل حتى أوائل الثلاثينيات، وعندها ستنخفض طاقتها عن الحد الأدنى اللازم لتشغيل أجهزة الإرسال. لن يكون هناك انفجار، ولا حادثةٌ مفاجئة؛ فقط صمت تدريجي، آخر إشارة، ثم لا شيء.
ستستمر فويجر 1 في الابتعاد بعدها، بلا وقود، بلا طاقة، بلا صوت؛ جسمٌ معدني صامت يعبر الفضاء إلى الأبد. لكن في هذه اللحظة بالذات، وهي لا تزال تتكلم، تحقق شيئًا لم تحققه آلةٌ من قبل: تقف على حافة يوم ضوئي كامل من بيتها... صوتٌ بشري، ضعيفٌ لكنه لا يزال حيًا، يهمس من أبعد نقطة وصلها الإنسان في الكون.









مقال جميل جدا
أبدعت يامؤيد
كيف وقودها ماخلص؟
وكيف بترسل وبتستقبل وهي بعيده كثير بالفضاء؟ عن طريق شو