في ليلةٍ صافية بعيدة عن أضواء المدن، يمتد عبر السماء شريطٌ باهت من الضوء، يشقّ طريقه خلال كوكبة القوس والدجاجة وبرساوس والجبّار. رآه الإغريق القدامى فخُيّل إليهم أنه نهرٌ من اللبن مسكوب في السماء، فسمّوه "درب اللبن"، أو “درب التبانة“، ومنه جاءت كلمة "Galaxy" المشتقة من اللفظ اليوناني "Galácticos" أي اللبن. وفي مطلع القرن السابع عشر، وجّه غاليليو تلسكوبه إلى ذلك الشريط الغامض، فاكتشف أن ضياءه ليس سوى ضوء ملايين النجوم المتراصّة، لا سديمًا ولا بخارًا سماويًا كما ظنّ القدماء.
لكن معرفة شكل مجرتنا الحقيقي ظلّ لغزًا محيّرًا لقرون. فنحن نعيش داخل هذه المجرة، ومحاولة رسم صورتها أشبه بمن يحاول رسم بيته وهو حبيسٌ في غرفة نومه، لا يغادرها أبدًا. يزيد الأمر تعقيدًا أن الغبار والغاز بين النجوم، وهو ما يُعرف بالوسط النجمي البيني، يحجب عنا معظم الضوء المرئي، فيمنعنا من رؤية مركز مجرتنا بوضوح. ولهذا السبب بالذات، ظنّ الفلكيون طويلًا أن شمسنا تقع في قلب المجرة، إلى أن أثبت الفلكي هارلو شابلي، نحو عام 1920، عبر دراسته للعناقيد الكروية، أن مركز المجرة الحقيقي يبعد عنا عشرات آلاف السنين الضوئية. لم تكن شمسنا إذن مركز الكون، ولا حتى مركز مجرتها.
اليوم، وبفضل رصد المجرة بأطوال موجية غير مرئية، وبمقارنتها بمجرات أخرى نراها من الخارج، بات لدينا تصوّر واضح عن هيئتها: قرصٌ حلزوني مسطّح، تلتف حوله أذرع حلزونية مهيبة، ويتوسطه انتفاخٌ مركزي مضيء، ويحيط بالكل هالة خافتة تضمّ نحو مئتي عنقود كروي من النجوم. يبلغ قطر المجرة بأكملها مئة ألف سنة ضوئية، بينما لا يتجاوز سُمك قرصها ألف سنة ضوئية فحسب، أي أنها أشبه بقرصٍ رقيق مقارنةً باتساعه الهائل. وتقبع شمسنا في هذا القرص، على بُعد نحو 27 ألف سنة ضوئية من المركز، أي في منتصف الطريق تقريبًا نحو الحافة الخارجية.
ولمجرتنا، رغم اتساعها الهائل الذي يضمّ أكثر من مائة مليار نجم، جيرانٌ صغار تدور في فلكها: سحابتا ماجلان الكبرى والصغرى، المرئيتان بالعين المجردة من نصف الكرة الجنوبي، وقزما القوس والكلب الأكبر، اللذان تحجبهما غبرة المجرة عن أنظارنا، واللذان تمزّقهما الآن قوى المجرة المدّية وهما يصطدمان بقرصنا ببطء. غير أن "الصغر" هنا نسبيّ؛ فهذه المجرات القزمة نفسها تضمّ مليارات النجوم، ولا تبدو صغيرة إلا بمقارنتها بمجرتنا العملاقة التي تفوقها حجمًا بمئات المرات.
وهكذا، حين ننظر إلى ذلك الشريط الباهت في سماء الليل، فإننا في الحقيقة ننظر إلى صورة جانبية لبيتنا الكوني، ذلك القرص الهائل من النجوم والغبار الذي نسكن أحد أطرافه، ولا نراه كاملًا إلا لأننا، ببطء وصبر، تعلّمنا كيف نرسم خريطة المنزل الذي لم نغادره قط.
كيف نشأت مجرة درب التبانة؟
تعود قصة مجرتنا إلى فجر الكون، منذ نحو 13 مليار سنة، حين لم يكن الكون سوى سديمٍ هائل من الغاز، معظمه هيدروجين وهيليوم، متناثرٍ في الفضاء بكثافات متفاوتة قليلًا. وفي تلك المناطق الأكثف قليلًا من غيرها، بدأت الجاذبية تعمل عملها الصبور، فتجمّعت سحب الغاز وتكاثفت شيئًا فشيئًا، مكوّنةً كتلًا أولية بدأت تدور حول نفسها.
في البداية، لم تكن مجرتنا سوى سحابةٍ ضخمة غير منتظمة الشكل، غنية بالغاز البدائي. ومع دوران هذه السحابة، بدأت الجاذبية تسحبها نحو الداخل، فتسطّحت شيئًا فشيئًا لتأخذ هيئة قرص، تمامًا كما تتسطح كرة من العجين حين تُقذف بها في الهواء وهي تدور. أما المادة التي لم تنضم إلى هذا القرص المسطّح، والتي احتفظت بحركتها العشوائية الأولى، فبقيت متناثرة حولها، مكوّنةً تلك الهالة الكروية التي نراها اليوم، وضمن هذه الهالة تشكّلت أقدم العناقيد النجمية في المجرة، أي العناقيد الكروية، التي تُعدّ اليوم من أقدم الأجرام في الكون كله.
وفي قلب هذا التجمّع الهائل من الغاز، حيث الكثافة أعلى ما يكون، تشكّل الانتفاخ المركزي، وربما نشأ في قلبه ثقبٌ أسود هائل الكتلة، ما زال يقبع هناك حتى يومنا هذا. أما القرص نفسه، فقد استمرّ في تكوين النجوم جيلًا بعد جيل، إذ كانت سحب الغاز المتبقية تتكاثف تدريجيًا لتلد نجومًا جديدة، وحين تموت هذه النجوم، وخاصة الضخمة منها، كانت تُعيد ما تبقّى من موادها إلى الوسط النجمي البيني، غنيّةً هذه المرة بعناصر أثقل صُهرت في أتونها الداخلي. وهكذا، جيلًا بعد جيل من موت النجوم وولادتها، تراكمت العناصر الثقيلة في القرص، ما مكّن لاحقًا من تشكّل كواكب صخرية كالأرض، بل ومن نشوء الحياة نفسها.
ولم تتوقف المجرة يومًا عن النمو؛ فقد التهمت على مرّ الزمن مجرات قزمة أصغر منها، اندمجت في نسيجها وأضافت إلى هالتها وقرصها المزيد من النجوم والغاز، وما زالت اليوم، كما ذكرنا، تلتهم ببطء قزمَي القوس والكلب الأكبر. وهكذا، فإن مجرتنا ليست كيانًا ثابتًا جامدًا، بل قصةٌ حيّة من الاندماج والنمو المستمر، ما زالت فصولها تُكتب حتى في هذه اللحظة التي ننظر فيها إلى شريطها الباهت في سماء الليل.




لم تكن مجرد محرة لقد كانت قصة اسطورية لقد كان المقال في غاية الروعة🫶👌
سرد أسطوري وممتع جداً !
بأسلوبك تحوّل أعقد المفاهيم الفلكية لقصة ممتعة ومبهرة..
أخذتنا برحلة كونية بأسلس وأجمل طريقة..
إبداع حقيقي، سلمت يداك